أحمد بن محمد ابن عربشاه
509
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
[ 89 ] [ المنصور وعامله : ] وروى : أن أحد الصدور غصبه بعض عمال المنصور « 1 » ، وأخذ منه كفرا من الكفور ، فتوجه إلى الخليفة وضرب له أمثالا طريفة ، وقال : أصلح الله أمير المؤمنين ، وأقام به شعائر الدين ، ونصر به المظلومين على الظالمين ، أأذكر ظلامتي أولا ، أم أضرب أمام حاجتي مثلا . فقال : دع الجدل واضرب المثل . فقال : ألهمك الله العدل وأقام بك قواعد الفضل ، إن الطفل إذا نابه ما يكرهه ، أو قرعه خطب يجبهه ، فر إلى أمه وأجهش إليها من همه ، فأوى إلى حضنها واندس تحت بطنها ، لأنه لا يعرف سواها فيستكشف بها عن نفسه ما دهاها ، ولا يظن أن غيرها يدفع عن نفسه ضيرها ، فإذا عرف أباه بث إليه شكواه ، واستدفع به ما عراه ، لأنه قد وقر في وهمه أن أباه أقوى من أمه ، وأن غيره من الناس لا يقدر على دفع الباس ، فيلجأ إليه فيترامى في دفع شدائده عليه ، ولا يقبل عذره إن ترك نصره أو قصر في مبتغاه ، أو تهاون في متمناه ، ولهذا قال بدر الحي : إن النساء والصبيان يظنون أن الرجل يقدر على كل شيء ، فإذا اشتد واستوى وأصابه من أحد جوى ، تقدم إلى الوالي ؛ لأن مقامه عالي وهو أقوى من أبيه ، فيستكشف به ما وقع فيه ، فإذا صار رجلا وأصابه من أحد نكد وبلا ، استنجد بنائب السلطان فوجده له أحسن معوان ، فأشكاه ورفع بلواه ، وكفاه إذ دعاه من عداه ما دهاه ، ورعاه عما عراه ، فإنه أقوى من الوالي ، وأقدر على دفع الظلامة من كل منهمك غالى ، وهو السلطان الحاضر والعامل والناظر على البادى والحاضر ، فإذا ظلمه الوالي والعامل ونقصه حقه ذو الحكم الكامل ، تعلق بأذيال عدل السلطان ، واستكشف بمراحم نصرته ما دهاه من عدوان ، إذ قد تحقق ورأى
--> ( 1 ) المنصور ؛ هو الخليفة المنصور أبو جعفر عبد الله المنصور ثاني خلفاء العباسيين ، بنى مدينة بغداد ودعاها مدينة السلام وجعلها عاصمته . ومات سنة ( 158 ه ) سير أعلام النبلاء ( 1025 ) .